العيني
127
عمدة القاري
الذي فيه ذكر الزاد والراحلة ليس بمتصل ؟ قلت : الحديث الذي ذكرناه متصل . فإن قلت : قال ابن المنذر أيضا : والدليل على عدم اعتبار الراحلة حديث : ( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ) ، فجعل صحة الجسم مساوية للغنى ، فسقط قول من اعتبر الراحلة ؟ قلت : لا نسلم ذلك ، فإن الحديث مفسر للاستطاعة في الآية ، وهو مبين عن الله تعالى : فإن قلت : قال إسماعيل بن إسحاق : لو أن رجلاً كان في موضع يمكنه المشي إلى الحج وهو لا يملك راحلة لوجب عليه الحج لأنه مستطيع إليه سبيلاً . قلت : لا نسلم ذلك ، لأن الاستطاعة فسرت بالزاد والراحلة . فإن قلت : ما روي عن السلف في ذلك أن السبيل الزاد والراحلة ، وإنما أرادوا به التغليظ على من ملك هذا المقدار ولم يحج قلت : لا نسلم ذلك ، بل أرادوا به التشريع ؟ وفيه : ما يدل على أنه ما يجوز للرجل إن يحج عن غيره ، وإن لم يكن حج عن نفسه لإطلاق الحديث ولم يسأله صلى الله عليه وسلم أحججت عن نفسك أم لا ؟ وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية ، ويحكى كذلك عن الحسن وإبراهيم وأيوب وجعفر بن محمد ، وقال الأوزاعي والشافعي وإسحاق : ليس لمن لم يحج حجة الإسلام أن يحج عن غيره ، فإن فعل وقع إحرامه عن حجة الإسلام . وقال عبد العزيز : يقع الحج باطلاً ولا يصح عنه ، ولا عن غيره ، وروي ذلك عن ابن عباس ، وفي ( مسند الشافعي ) : حدثنا سعيد بن سالم عن سفيان بن سعيد عن طارق بن عبد الرحمن عن عبد الله بن أبي أوفى ، قال : سألته عن الرجل لم يحج إيستقرض للحج ؟ قال : لا . واحتجوا بما رواه أبو داود ( عن ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهما ، أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول : لبيك عن شبرمة ، فقال : من شبرمة ؟ قال : أخ لي أو قريب لي ؟ فقال : حججت عن نفسك ؟ قال : لا ، قال : حج عن نفسك ، وحج عن شبرمة ) . وروي أيضا عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا ضرورة في الإسلام ) ، والجواب عنه ما قاله الطحاوي : إن حديث شبرمة معلول ، والصحيح أنه موقوف على ابن عباس ، والذي يصح في هذا المعنى عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، من رواية ابن عباس : سئل عن رجل لم يحج أيحج عن غيره ؟ فقال : دين الله ، عز وجل ، أحق أن يقضيه ، وليس فيه أنه لو أحرم عن غيره كان ذلك الإحرام عن نفسه ، وقال بعضهم : يحمل على الندب لقوله ، صلى الله عليه وسلم : ( إبدأ بنفسك ثم بمن تعول ) . وقال الأثرم : قال أبو عبد الله : رفعه عبدة بن سليمان وهو خطأ ، وقد رواه عدة موقوفا على ابن عباس ليس فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ورواية همام عن قتادة عن سعيد بن جبير موقوف ، وكذا قال أبو قلابة عن ابن عباس وقال : منهيء ، قلت : لأبي عبد الله حديث عبدة بن سليمان عن سعيد عن قتادة عن عزرة عن ابن جبير عن ابن عباس : سمع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، رجلاً يلبي عن شبرمة ، قال : ليس بصحيح ، إنما هو عن ابن عباس ، حدثني غير واحد عن أبي عروبة عن قتادة عن عزرة عن ابن عباس مرسلاً ، ورواه روح عن حماد بن مسلمة عن أيوب عن عكرمة ، ورواه عن ابن عباس مرسلاً ، ورواه إسماعيل عن ابن جريج عن عطاء عن النبي ، صلى الله عليه وسلم ، ولم يذكر ابن عباس . فإن قلت : قال أبو عمر : الذي رفعه حافظ حفظ ما قصر عنه غيره ، فوجب قبول زيادته . وقال ابن قطان : الرافعون له ثقات فلا يضرهم وقف الواقفين له ، إما لأنهم حفظوا ما لم يحفظه أولئك ، وإما لأن الواقفين رووا عن ابن عباس رواية وأولئك رواية . قلت : هذا الحديث مما يعلم بالضرورة توقيفه لأن الحج إنما كان في سنة عشر سنة حج سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد سمع الرجل يلبي عن غيره في تلك الحجة ، فكيف يسوغ ؟ قوله : ( أحججت عن نفسك ؟ ) إيحج أحد إلى غير البيت ؟ وفي غير ذلك الوقت ؟ فليتأمل هذا فإنه واضح . وروى الدارقطني من حديث الحسن بن عمارة عن عبد الملك عن طاووس : ( عن ابن عباس : سمع النبي ، صلى الله عليه وسلم ، رحلاً يلبي عن نبيشة ، فقال : أيها الملبي عن نبيشة ، هذه عن نبيشة ، واحجج عن نفسك ) . قال الدارقطني : الحسن متروك الحديث ، والمحفوظ الصحيح عن ابن عباس حديث شبرمة . وذكر أبو نعيم الأصبهاني : شبرمة هذا في كتاب الصحابة ، رضي الله تعالى عنهم ، وذكر له هذا الحديث ، وأنه توفي في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما قوله : ( لا صرورة في الإسلام ) فقد قال الخطابي : إن الصرورة هو الذي أقلع عن النكاح بالكلية وأعرض عنه كرهبان النصارى ، وله معنى آخر ، وهو أنه : الذي لم يحج فيكون معناه : أن سنة الدين أن لا يبقى من الناس من يستطيع الحج إلاَّ ويحج ، وهذا ليس فيه دليل على أن من لم يحج